موسم سقوط الأقنعة!

والمغاربة منغمسون حتى أخمص أقدامهم في همومهم، يحاولون لملمة أحزانهم وإحصاء خسائرهم التي كبدتهم إياها جائحة “كوفيد -19″، التي اجتاحت كافة بقاع الأرض من مشارقها إلى مغاربها، عطلت مختلف الأنشطة الاقتصادية والثقافية والرياضية عبر العالم، مبتهلين إلى الخالق الرحمان أن يرفع عنهم هذا الوباء الفتاك، الذي ما انفك يحصد آلاف الأرواح بغير رحمة أو تمييز، ومازال عشرات العلماء من كل أنحاء العالم في سباق محموم، بحثا له عن علاج ناجع أو لقاح فعال يخلص الإنسانية من شراسته ومخاطره، ويعيد السكينة والطمأنينة للشعوب المرعوبة…

فإذا بالكوارث والفضائح تنهال عليهم تباعا، من البؤر الوبائية التي تبعثر كل البرامج والمخططات وتضرب في العمق جهود السلطات العمومية والجيش الأبيض من الأطباء والممرضين، سواء منها البؤر الصناعية أو التجارية أو العائلية و”شبه العائلية” وغيرها، إلى الفضائح القانونية التي يأتي على رأسها قياديو حزب العدالة والتمية ذي المرجعية الإسلامية، الذي يقود الحكومة لولايتين متتاليتين، لم يعرف المواطنون خلالها سوى الظلم والقهر والتهميش وتجرع الحنظل جراء الخيارات الفاشلة، ومراكمة الانكسارات والضربات الموجعة الناجمة عن ارتفاع الأسعار والإجهاز على المكتسبات، التي ناضل من أجل تحقيقها الشرفاء.

ذلك أنه بعد أن تفجرت فضيحة عضو الأمانة العامة في الحزب الأغلبي ووزير الدولة المكلف بحقوق الإنسان المصطفى الرميد، على خلفية عدم تصريحه بالراحلة جميلة بشر لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي التي ظلت تشتغل عنده قبل وبعد استوزاره بمكتب المحاماة بمدينة الدار البيضاء لمدة أربع وعشرين سنة إلى حين أسقطها المرض ووافته المنية. والذي لم تنفعه في طمس قضيتها كل محاولات التضليل والتملص من مسؤوليته الثابتة، التي تستدعي التدخل العاجل للبرلمان والحكومة.

وبعد أن تلاها ظهور فضيحة أخرى مشابهة، ليس بطلها إلا زميله في الحزب والحكومة محمد امكراز وزير الشغل والإدماج المهني الذي فضلا عن رئاسته المجلس الإداري لصندوق الضمان الاجتماعي، تورط هو الآخر في عدم تسجيل مستخدميه بذات الصندوق والدفع بالمسؤول القانوني على مكتب المحاماة التابع له بمدينة أكادير، إلى القيام بذلك خلسة يوم الجمعة 19 يونيو 2020، وهو اليوم الذي صادف انفجار بؤرة وبائية رهيبة ب”لالة ميمونة” التي يعرف عمال معاملها انتهاكات جسيمة. ويعلم الله إن كان باقي قياديي الحزب بمن فيهم رئيس الحكومة وغيرهم من مسؤولين وأصحاب المقاولات، إن كانوا في وضعية نظامية سليمة مع “الضمان الاجتماعي” بالنسبة لمستخدميهم …

وبعد أن بلغ صدى الفضيحتين إلى الصحافة الدولية لعدة اعتبارات، عادت مواقع التواصل الاجتماعي من جديد خلال ذات الأسبوع لتشتعل بفضيحة ثالثة لا تقل خطورة عن سابقتيها، وتتعلق هذه المرة بمحام ثالث وعضو المجلس الوطني بنفس الحزب، وهو عبد المولى المروري القيادي بمنتدى الكرامة لحقوق الإنسان، والمنتخب بمجلس مقاطعة يعقوب المنصور بعمالة الرباط، الذي تم عزله ضمن قائمة ب”26″ منتخبا ومنتخبة. حيث صدر في حقهم مراسيم بذلك في 18 يونيو 2020 بالجريدة الرسمية عدد: 6892، على خلفية مخالفتهم القانون رقم: 06.54 الذي تنص مادته الأولى على التصريح الإجباري بالممتلكات، بالنسبة لبعض منتخبي المجالس المحلية والغرف المهنية وفئات أخرى من الموظفين أو الأعوان العموميين، داخل أجل أقصاه ثلاثة شهور من الإعلان عن انتخابهم.

وجدير بالذكر أن المغرب اعتمد هذا القانون منذ عام 2010، وأن المعنيين بالأمر ملزمون بتسوية وضعيتهم القانونية لدى المجلس الأعلى للحسابات، من أجل تيسير مأموريته في مراقبة ممتلكاتهم ومعرفة مصادر ثرواتهم، التي يشكل تحديدها الواضح والدقيق أحد الركائز الأساسية في تفعيل مقتضيات الحكامة الجيدة والشفافية والنزاهة ومكافحة الفساد، لاسيما أن بلادنا سبق لها المصادقة على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، الموقعة بنيويورك في 31 أكتوبر 2003. فبماذا كانت ستضير استجابة المروري للقانون، وهو المحامي “الشاطر” الذي يعلم أكثر من غيره أن المشمولين بهذا القانون مطالبون بالتصريح بأنشطتهم المهنية ومهامهم الانتخابية، وما يتوفرون عليه من ممتلكات أو تلك التي يملكها أبناؤهم القاصرون أو يدبرونها والمداخيل التي استلموها بأي صفة خلال السنة السابقة للسنة التي تم فيها انتخابهم؟ ثم ما الذي يخشاه والقانون يكفل له السرية والكتمان حتى لا تصيب عيون الحساد ما أغدق الله به عليه من خيرات؟ وأين نحن من الحفاظ على مصداقية العمل السياسي وتلك الشعارات البراقة عن الشفافية ومحاربة الفساد، التي يلوذ بترديدها كلما دعت مصلحته الذاتية أو الحزبية الضيقة إلى ذلك؟

إن الله يمهل ولا يهمل وقد قال سبحانه وتعالى في سورة إبراهيم الآية 47: “إن الله عزيز ذو انتقام” ومن السنن الإلهية أن الظلم والكذب قصير مداهما، وأنه مهما طغا الإنسان وتجبر وملك من وسائل السلطة ما يساعده في ممارسة القهر والاستبداد، فلا بد من أن ينبلج فجر العدل والحق والحرية.

ولا غرو إذن أن تنكشف حقيقة من بات المغاربة يطلقون عليهم “تجار الدين” الذين جعلوا من المشترك الديني مطية للوصول إلى مواقع السلطة، معتمدين على ازدواجية الخطاب والمواقف ودغدغة المشاعر، الذين أدمنوا على الصراخ وتوزيع الوعود الكاذبة كما تشهد بذلك الأشرطة الموثقة بالصوت والصورة. فما أقدم عليه “الفرسان الثلاثة” من خرق للقانون وانتهاك للحقوق بدل حمايتها، يظل غيضا من فيض، ويؤكد مدى انتهازية حزب لا يهمه عدا مصلحة قيادييه وتحسين أوضاعهم.

اسماعيل الحلوتي

2020-06-27 2020-06-27
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

المشرف العام