جائحة كورونا ..إقرار بدروس التاريخ وتجاوز لحدود الجغرافيا

بقلم: الحسن فركاكوم*

تعج مواقع التواصل الاجتماعي وشبكات الفضاء الأزرق بندوات ومداخلات وحوارات في موضوع جائحة كورونا وتأثيراتها المتعددة الأبعاد على مختلف مناحي الحياة البشرية، يؤطرها أساتذة جامعيون وممارسون مهنيون وفاعلون اجتماعيون، ويتفاعل مع مضامينها متدخلون من مستويات ثقافية متباينة، وذلك في إطار مناظرات عن بعد فرضها التحجير الصحي والتباعد الاجتماعي وسهلت تطبيقات التواصل للتكنولوجيا الحديثة يسر التفاعل، وضمنت استمرار حبل التواصل رغم بعد المسافات بين مختلف المتدخلين. إنها تطبيقات عابرة لجغرافيا الوطن تتيح إمكانية تبادل الآراء بخصوص ما خلفته الجائحة من أضرار على المستوى النفسي والسوسيولوحي والاقتصادي والأمني للأفراد والمجتمعات في كل دول المعمور، سواء منها الأكثر تأثرا بالجائحة أو التي كانت خارج بطش كورنا نسبيا.

يقر الجميع بأن جائحة كورونا ليست الأولى التي ضربت العالم وتفشت في أرجائه ولن تكون بالتأكيد الأخيرة. فقد شهدت البشرية عبر تاريخها الممتد، الحديث والمعاصر أوبئة وجوائح كثيرة، حصدت أرواحا وأسهمت في تشريد الساكنة كما أتت على الأخضر واليابس في مناطق من العالم. لم يكن المغرب في منأى عن هذه الظاهرة، إذ ظل عبر تاريخه متأثرا بمساغب وأوبئة انتشرت في المجتمع انتشار النار في الهشيم وزادت من حدتها ووطأتها تزامن بعضها مع المجاعات والكوارث الطبيعية، فكانت تداعياتها ونتائجها أثقل على البشر أفرادا وقبائل. وإذا اقتصرنا على جوائح القرن 18 و19م على سبيل المثال لا الحصر، سيتضح أن المغرب لا يفلت من جائحة إلا ليدخل غمار صراع مع جوائح أخرى أكثر فتكا بأرواح الناس وأكثر إضرارا بممتلكاتهم ومزروعاتهم وماشيتهم. أورد محمد الأمين البزاز في أطروحته الشهيرة حول تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين 18 و19م، أن الأوبئة والجوائح كانت بمثابة “هجمات موت” تفتك بالعباد وتتردد في شكل موجات تفصل بينها فترات راحة قليلة نسبيا قبل أن تعاود الهجوم. وكانت هذه الأوبئة ذات بعد دولي إذ تفشت في مناطق من العالم قبل أن تصل المغرب عبر الشرق أو الشمال، وإذا ” كانت أوربا قد استراحت نسبيا من ويلات الأوبئة وتزايدت ساكنتها ديمغرافيا وأنجزت ثوراتها الفلاحية والصناعية في القرنين 18 و19م، فإن المغرب ظل خاضعا للأوبئة والكوابح المالتوسية التي كانت تستهلك رأسماله البشري وتساهم في تأخره”.

لقد اتسعت شدة الأوبئة وتفسحت أحزمتها وسببت نزيفا ديمغرافيا كبيرا، وتوالت في شكل موجات عالمية وصلت المغرب في محطات كثيرة منها كما ذكر الأمين البزاز طاعون 1678 وطاعون 1742-1744 وطاعون 1747-1751 و طاعون 1791-1800 ثم طاعون 1818-1820… ثم وباء الكوليرا الذي ضرب البلاد في 1829-1837 وفي 1895-1896 والمعروف لدى المغاربة باسم ” بوكليب”… وبعض الأمراض الأخرى مثل الجدري والتفوئيد والزهري والتيفوس وغيرها الأقل تأثيرا من الطواعين السابق الذكر. وليستدل المؤرخ المغربي على فداحة خسائر الأرواح التي خلفتها الطواعين ومختلف الجوائح ذكر ” أن هذه الكوارث خلفت من الدمار ما لا تذكر معه الخسائر في الحروب” ص 60 من كتابه ” تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين 18 و19م”.

في ذروة الحرب العالمية الأولى انتشرت وباء الأنفلونزا الاسبانية الذي قتل مابين 50 إلى 100 مليون شخص سنة 1918م، أغلبهم من أوروبا التي تحولت إلى ساحة قتال وفضاء رحب لانتشار الجائحة، ولم تسلم من تداعياتها الولايات المتحدة الأمريكية التي بلغها الوباء وحصد أرواحا منها رغم بعدها عن مركز الحرب والجائحة. إن الجوائح إذن تتجاوز حدود الجغرافيا ولا تعترف بالحدود السياسية ولا بمراكز مراقبة التراب الوطني، إنها مساغب قادرة على أن تضرب حتى أكثر المناطق المحصنة في العالم. ويؤكد انتشار وباء كورونا هذا الطرح، إذ بلغ عدد ضحاياه ذروته في الدول التي كنا نعتقد أنها تملك أقوى نظام صحي في العالم وأكثرها ضبطا لحدودها الجغرافية وأعتاها في التعامل مع الكوارث الطبيعية على غرار الولايات المتحدة الأمريكية، حيث سجل بها إلى حدود كتابة هذه الأسطر أكثر من 126 مليون حالة وفاة جراء وباء كورونا الخبيث.

لقد صدمت كورونا كبريائنا وقضت على ما تبقى من غرور الإنسان وأقنعتنا أمام قلة حيلة التعامل الطبي، بأنها ابتلاء من الله وامتحان وقضاء وقدر… فلا اعتراض على قضاء وقدر الله، كما بدلت كثيرا من طقوسنا وعادتنا وأنهت بعض خصوصياتنا الثقافية والاجتماعية فأصبحنا بصدد عولمة الوباء أمام عولمة الخوف والموت وعولمة ارتداء الكمامة، “الكمامة التي كانت في السابق نوعا من طقوس العبودية فرضها الخوف حاليا على الجميع في دول العالم بعدما كانت قناعا من حديد فرض على العبيد لمنعهم من سرقة الأكل في بيوت الأسياد” ( مداخلة د هشام قاضي، جامعة خميس مليانة –الجزائر، في المؤتمر الدولي الافتراضي الأول من تنظيم كلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة ابن زهر اكادير في موضوع: المدينة والعولمة وجائحة كورونا. بحثا عن تمفصل منهجي وابستمولوجي.24 و25 يونيو2020).

غيرت كرونا معاني كثيرا من القيم وعولمتها مثل المصافحة والموت والحرية والدفن الأبكم والأخوة والجوار… وقتلت الجغرافيا بين الشعوب وأصبحت لكل قيمنا معاني جديدة غير المعاني التقليدية المعروفة… أفكار ضمنها الباحث الجزائري قاضي هشام في كتاب “كورونا نحو موت الايدولوجيا وميلاد الإنسان الجديد”.

حول الوباء مساكننا الهشة في الأصل إلى فضاءات تقضى فيها كل المآرب مثل الأكل والنوم والراحة والرياضة والعمل وحتى الصلاة مع الجماعة… وثبت أن المسكن الذي ليس ملاذا للأسرة ومأوى آمنا لها في مثل هذه الظروف لا يمكن أن يسمى مسكنا. “فالمباني الشاهقة في المدن الكبرى التي لا تمكن البشر من التباعد الاجتماعي وتفرض على جميع القاطنين استعمال الأدراج والسطوح المشتركة، هي أحياز نفعية وأمكنة لتخزين الإنسان بلا إنسانية” : دة زينب قندوز غربال جامعة سوسة تونس- مؤتمر المدينة والعولمة..) أو مخازن بشرية وملاجئ محتملة لانتشار وتفشي الأوبئة: دة سليماني جميلة جامعة الجزائر 2- مؤتمر المدينة والعولمة…) .

لابد من مساءلة التخطيط العمراني بعد جائحة كورونا، لأن التخطيط لتوسع مدننا قبل الجائحة لا ينبغي أن يكون هو نفسه بعدها، إلا إذا عزمنا على تشجيع الشركات الخاصة لامتلاك العقار وبناء السكن الاقتصادي في المراكز الحضرية والمدن الكبرى، وتشجيع السكان ذوي الدخل المحدود على امتلاك مثل هذه “المخازن البشرية” عبر آلية قروض السكن الميسر والمدعم من الدولة.(د محمد الأشهب، المغرب – مؤتمر المدينة والعولمة…). إن التخطيط العمراني للمدن يحتاج إلى رؤى مشتركة يتقاسمها الفاعل السياسي (تدبير أزمة السكن) والفاعل الاقتصادي (منطق الربح) مع السوسيولوجي والجغرافي والمؤرخ والمهتم بالجانب الأمني والاستراتيجي…وإلا ستتحول مدننا إلى فضاءات إسمنتية بلا روح وتكديس لبشر بلا إنسانية وسجون بلا نوافذ تخنق ما تبقى من آدميتنا في أوساطنا الحضرية..وقد بينت الجائحة أن الوسلية الوحيدة في أوربا مثلا، للسؤال على حال الجيران في ظل الإجازة الإجبارية هي ” الخروج للنوافذ وقرع الأواني بالملاعق لإيصال رمزية المعنى للآخر … الآخر الذي ليس – في ظل استمرار الجائحة – سوى الجحيم بتعبير جون بول سارتر.

* طالب باحث في الهجرة والديمغرافيا والتنمية.

2020-06-28 2020-06-28
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

المشرف العام