جلسة محاكمة “الوزيرين” ..

بقلم : عبد العزيز بوسهماين

كانت قاعة الجلسات ملأى حين دخلت هيئة المحكمة “البيجيدية” لمناقشة ملف “الوزيرين” . وقف الحاضرون من ذوي القربى وقفة رجل واحد احتراما للهيئة بعد سماعهم لصوت رجل الأمن الخاص المنتمي لشركة “بيجيدية ” خاصة وهو يصيح بصوت عال وقد استقام مؤديا التحية العسكرية : “محكمـــــــه ” ..

جلس رئيس الهيئة ، ذو الهيئة النحيفة واللحية الخفيفة ، مؤذنا لزملائه بالجلوس قائلا : ” باسم حزبنا العتيد نفتتح الجلسة ” . فتح ملفا ضخما عليه رمز مصباح شاحب ، وهو يبتسم في وجه المتهمين الجالسين أمامه في قفص الاتهام على أريكتين مريحتين قائلا بصوت لين :

نعتذر عن ازعاج معاليكما ، فأنتما محاميان ، أحدكما مشهور والأخر مغمور ، وأنتما “ماشاء الله ” وزيران في حكومتنا ـ “أطال الله في عمرها” ـ تشغلان أهم المناصب ، اذ تسهران على حماية حقوق المواطنين وتوفير الشغل لهم أحياء وأمواتا ، لهذا فلن نأخذ من وقتكما الا دقائق معدودة في هذه الجلسة التي نعقدها فقط ” على عينين العديان ” ، ثم أردف قائلا بلكنة سوسية وقد مزج بين اللغتين الامازيغية والعربية : زميلي وزير حقوق الانسان وأنت ياصغيري وزير الشغل ، يدعي بعض السفهاء من الإعلاميين واخرون من الفايسبوكيين أنكما قد خرقتما القانون ولم تصرحا بمستخدميكما لدى صندوق الضمان الاجتماعي ، وهذا فعلا ما زكته النيابة العامة لمحكمتنا الموقرة في تقريرها المستند على معاينة واقعية . فهل هذا صحيح ؟ وما ردكما ؟ .

احتراما لمبدأ الأقدمية ، تدخل وزير حقوق الانسان مجيبا بلكنة “بنورية” بعد أن نزع كمامته وأجحظ عينيه : “هذا ادعاء لا أساس له من الصحة طبعا سيدي الرئيس ، واذا ثبت ذلك سأضع المفاتيح كما وضعتها سابقا عندما كنت وزيرا للعدل بعدما أصلحت حالي و فشلت في اصلاح القطاع .. ثم أضاف هامسا : و لكن ” بيني وبينكم ” ، أنا حاولت التصريح بالكاتبة رحمها الله لكنها أبت أن تعطيني نسخة من بطاقة تعريفها الوطنية فكلفتها بتسجيل نفسها الا أنها لم تفعل ، فخطفها الموت ، لكن عندما مرضت قمت بالتصدق عليها وأحسنت معاملتها طيلة اشتغالها معي ، وأقدم اليكم اشهادا لوالدها والذي كلفتني المصادقة على توقيعه الاتصال بأحد زملائنا بمجلس النواب ” جزاه الله عنا ألف خير ” والذي استنفر موظفي مقاطعة سيدي عثمان للقيام بالواجب غير القانوني في يوم عطلة ، حيث يعترف والد المرحومة ، في هذا الاشهاد الذي كتبته له بنفسي ، بأنها كانت بمثابة ابنتي ، فليس هناك مشكلة اذا ، فقد نسخت القانون بالاحسان بكل نزاهة وشفافية .

بغضب مصطنع تدخل ممثل النيابة العامة “البيجيدية ” ،والذي أحسن حلق لحيته ،مرافعا : مع احترامي لزميلي الوزير ، و الرئيس الفعلي لهذه النيابة العامة ، نقدر موقفكم ونساندكم في محنتكم هاته ، لكن الجريمة ثابتة في حقكم ، لأن القانون واضح في هذا الباب ولم نجد بابا آخر نخرجكم منه ، وأنتم رجال قانون ، والفضيحة هي أنكم كنتم تدافعون عن حقوق الانسان قبل توليكم حقيبة الحقوق وها أنتم اليوم أول من يهضم هذه الحقوق ، فلا يمكن أن يصدق المواطنون أن موظفة تشتغل في مكتبكم طيلة هاته السنوات دون أن يتوفر مكتبكم على نسخة من بطاقتها الوطنية …

بادر الرئيس لمقاطعة ممثل النيابة العامة حتى لا يزيد الطين بلة مانحا الكلمة لوزير الشغل قائلا : تفضل صغيري وزير الشغل ، ما قولكم في التهمة المنسوبة اليكم ؟

تقدم الوزير السوسي بعد أن حرك بأصبعه الصغير نظارته الطبية التي وضعها حديثا لتغيير ” اللوك” قائلا : في الحقيقة أنا لا علم لي بالأمر ،بل استغرب ، سيدي الرئيس ، كيف تمكن هؤلاء السفهاء من اكتشاف أنني لم اصرح بمستخدمي مكتبي وأنا وزير للشغل و مفاتيح الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي في يدي ، لكنني قد عالجت الأمر و صرحت بالمستخدمين مباشرة بعد افتضاح أمري وأمر زميلي ، وأقسم أنني منذ سنة 2009 وانا أحاول التصريح بهم لكن الشيطان كان يماطلني من جهة وذات اليد كانت قصيرة من جهة أخرى ، الا أنه بعدما تصدر حزبنا صدفة للانتخابات سنة 2011 صرت منشغلا باقتناص اتفاقيات الشراكة المتعلقة بالدفاع مع الجماعات التي نترأسها بجهة سوس حرصا على “أن لا يذهب خيرنا لغيرنا ” ثم بعد ذلك تكررت الصدفة فوجدت نفسي وزيرا للشغل سنة 2020 ولم أستفق من هول الفرحة حتى حلت بنا جائحة كورونا لعنها الله فحالت بيني وبين مكتبي في أكادير …

تدخل ممثل النيابة العامة مجددا بعد اذن من الرئيس ، ، وقد زاد توثره الاصطناعي وارتفعت لهجته قائلا : تصريحكم سيدي الوزير بالمستخدمين بعد الفضيحة فضيحة . لقد أسأتم لسمعة حزبنا ولم يمض على استوزاركم سوى بضعة أشهر ، وكشفتم عورتنا التي حاولنا سترها منذ تولينا زمام الأمور ، وخيبتم أمل الربيع العربي فينا و الذي جاء مزمجرا فولانا على رقاب المغاربة ، وأكدتم للقاصي والداني بأننا نقول ما لانفعل وأننا جئنا فقط لتحسين أوضاعنا المادية كما كشف كبيرنا سابقا ، وعليه فانني ألتمس من محكمتنا الموقرة الإدانة ولو بشكل رمزي ولها واسع النظر في اعتبار ظروف التخفيف .

وبعد أن كان المتهمان آخر من تكلم باذن من رئيس الجلسة ، حيث التمسا البراءة اليقينية والتمسا احتياطيا مراعاة ظروف التخفيف ، فتم حجز الملف للمداولة . وبعد نصف ساعة تم خلالها تناول ما لذ وطاب من الحلويات والمشروبات عادت هيئة المحكمة “البيجيدية ” للنطق بالحكم حيث صرحت وهي تنظر في الملف التلبسي في حالة سراح والمعروف ” بملف الوزيرين ” بمايلي :

حيث أنه من خلال الوثائق الملفاة بالملف ، ومن خلال ماراج أمام المحكمة فانه قد ثبت لهذه الأخيرة بالدليل القاطع تورط المتهمين في خرق القانون بكل نزاهة وشفافية ، وان انكارهما ليس الا محاولة للتملص من العقاب كما فعل بعض زملائهم سابقا لتجنب الفضيحة الواضحة ولحفظ ماء وجه الحزب الذي لم يعد بوجهه ماء ليُحفظ ، ونظرا لمنصبيهما الوزاريين الذين يدران عليهما أموالا طائلة ، وحيث أنهما منا ونحن منهما وما يصيبهم يصيبنا فان المحكمة قضت حضوريا طبقا لمقتضيات قانونها الخاص ، بغض النظر عن مقتضيات القانون الوطني الذي كان أحد المتهمين مسؤولا عنه سابقا ، وبغض النظر كذلك عن قانون مدونة الشغل الذي يتولى أمره حاليا المتهم الثاني ، قضت بما يلي :

في الدعوى العمومية :

ـ عدم متابعة المتهمين بالمنسوب اليهما رغم تورطهما في خرق القانون لأن هذا الخرق لا يتعلق بمسؤولياتهما العمومية و تنبيههما بعدم تكرار نفس الخرق مع إمكانية ارتكاب خروقات أخرى مخالفة حتى لا تطبق في حقهما حالة العود ، والتنويه باحسان المتهم الأول لكاتبته قبل وفاتها وباسراع الثاني لتصحيح الوضع غير القانوني لمستخدميه مع الإشادة بنزاهتهما وشفافيتهما حتى في خرق القانون مع توجيه اللوم الشديد للموت من جهة ولجائحة كورونا من جهة اخرى .

ـ ادانة المستخدمين ، الأحياء منهم والأموات ، بخصوص عدم تسجيل أنفسهم في الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي والحكم عليهم بدرهم رمزي لتعويض الوزيرين عن الضرر المعنوي .

وفي الدعوى المدنية التابعة :

ـ ادانة السفهاء الذين فجروا هذا الملف والتصريح بعدم قبول مطالبهم المدنية لانعدام الصفة و ولمحاولتهم تلطيخ سمعة الحزب والركوب على الواقعتين من أجل شن حملة منهجية ومنسقة استهدافا لنا ومحاولة للنيل منا ومن صقورنا ” .

ـ وفي الأخير ، ” موتوا غيظا .. فلن نسلمكم اخواننا …”

ملاحظة : كل تشابه في الأسماء أو الصفات أو الشخصيات أو الوقائع فهو من وحي الواقع المغربي و ليس من محظ الصدفة .

2020-07-06
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)

عبد العزيز بوسهماين