سلايدرملفات قانونية

مفهوم السكن الرئيسي من خلال مقتضيات المادة 24 من مدونة جبايات الجماعات المحلية

بقلم: المختار السريدي*

لازالت المصالح الضريبية التابعة للمديرية العامة للضرائب – وهي المصالح التي يعهد إليها بربط وتأسيس وإحصاء ومراقبة رسم السكن ورسم الخدمات الجماعية – تتلمس طريقها من أجل الإتفاق على صيغة واحدة وموحدة تمكنها من فرض الرسمين المذكورين بطريقة قانونية سليمة على العقارات المبنية التي يخصصها مالكوها أو المنتفعون منها أو حائزوها لسكنهم الرئيسي ، رغم أن المادة 24 من مدونة جبايات الجماعات المحلية قد حسمت الأمر من ذي قبل وأعطت تعريفا دقيقا ومحكما لمفهوم السكن الرئيسي ، إلا أن مفتشي الضرائب المكلفين بالوعاء الضريبي قد ذهبوا مذاهب شتى في التعامل مع النص القانوني المذكور، منهم من تشبت بحرفيته ومنهم من توسع في فهمه وأطلق العنان لإجتهاداته وتأويلاته ، وهذا ما أدى إلى بروز بعض التباينات في الأوعية الضريبية والقيم الإيجارية ، خصوصا وأن الإدارة لا زالت ماضية في تغنيها بإصلاح المنظومة الجبائية وإصلاح العلاقة مع المتعاملين معها على أساس من الثقة والشفافية وروح المسؤولية ، حيث لازال البعض يشكو من كثرة الأوراق والوثائق التي تطالبه بها الإدارة من أجل الإسقاط الضريبي بسبب تخصيص منزله أو بيته أو داره أو شقته أو فيلته للسكنى الرئيسية ، والحال أن وثيقة واحدة أو اثنتين على الأكثر قد تبدو كافية وقد تفي بالغرض .
كما أن كثرة وتعدد الوثائق من قبيل (نسخة من البطاقة الوطنية للتعريف، أو شهادة إدارية من السلطة الترابية ،أو شهادة مسلمة من المصالح المكلفة بتوزيع الكهرباء والماء الصالح للشرب أو فاتورات الإستهلاك…) غالبا ما لا تعجب أو تروق الخاضعين للرسمين المشار إليهما .
وقد كان من المستحسن ودرءا لكل اختلاف في الرؤى ما بين مفتشي الضرائب أنفسهم أن تتولى المديرية العامة للضرائب التابعة لوزارة الإقتصاد والمالية ، وهي الإدارة الوصية على تذبير رسم السكن ورسم الخذمات الجماعية ، إصدار مذكرة تفسيرية أوعلى الأقل مذكرة مصلحية (1) وبتنسيق مع المديرية العامة للجماعات الترابية التابعة لوزارة الداخلية ، تعطي فيها تفسيرا واضحا وموسعا لمفهوم السكن الرئيسي و جرد للحالات المشابهة والمماثلة مع تحديد للأوراق والوثائق التي يجب الإدلاء بها لمفتش الضرائب المختص ، من أجل الاستفادة من الإسقاط الضريبي بسبب السكنى الرئيسية ، بعيدا عن اجتهادات مفتشي الضرائب التي قد تخطئ وقد تصيب وقد تفتح الباب مشرعا أمام تأويلات وتفسيرات تتلون بتلون الأماكن والأشخاص، ولا قبل للمتعامل مع الإدارة بها بل وقد ترهقه وتدفعه إلى التوجس وعدم الإطمئنان لقراراتها .
وحتى تتضح الأمور أكثر وينجلي كل غبش أوغموض قد يلف الموضوع ، فلا بد من الرجوع إلى نص المادة 24 من مدونة جبايات الجماعات المحلية والذي جاء فيه ما يلي :
” يطبق إسقاط بنسبة 75 % من القيمة الإيجارية للسكن الرئيسي لكل ملزم مالكا أو منتفعا .
ويطبق كذلك هذا الإسقاط على القيمة الإيجارية للعقار الذي يستغل كسكن رئيسي من طرف :
الزوج أو الأصول أو الفروع من عمود النسب المباشر من الدرجة الأولى .
أعضاء الشركات العقارية المحددة في المادة الثالثة -3 من المدونة العامة للضرائب .
الملاك على الشياع بالنسبة للعقار الذي يشغلونه كسكن رئيسي .
المغاربة المقيمين بالخارج بالنسبة للسكن الذي يحتفظون به كسكن رئيسي لهم بالمغرب والذي يشغله مجانا أزواجهم أو أصولهم أو فروعهم من عمود النسب المباشر من الدرجة الأولى .
لا يجوز الجمع بين هذا الإسقاط وبين أي تخفيض آخر من هذا الرسم . ”

يتبين إذن ومن خلال قراءة متأنية لمقتضيات هذا النص ، أنه لكي يستفيذ الخاضع لرسم السكن ورسم الخدمات الجماعية (2)، من الإسقاط الضريبي بسبب السكنى الرئيسية ، أن تتوفر في العقار المذكورالشروط التالية :
أن يكون العقار السكني مخصصا أو مشغولا فعلا على سبيل السكنى الرئيسية سواء من طرف مالكه أو المنتفع به أو حائزه شخصيا (3) ، أو من طرف زوجه أو أصوله أو فروعه من عمود النسب المباشر من الدرجة الأولى ، ويقصد بالزوج زوج الخاضعة للرسم وزوجات الخاضع للرسم في حدود الأربعة بالنسبة للمسلمين (4)، ويقصد بالأصول والفروع من عمود النسب المباشر من الدرجة الأولى الآباء والأمهات والأبناء والبنات دون غيرهم من الأجداد مهما علوا والحفدة مهما نزلوا .
أن يكون العقار السكني معدا ومشغولا بالفعل من طرف مالكيه على الشياع على وجه السكنى الرئيسية ، حيث يفرض الرسم في هذه الحالة في إسم جميع المالكين على الشياع ، كأن يفرض في إسم ” ورثة زيد ” مثلا أو في إسم ”عمرو ومن معه ” ، لأنه يصعب إدراج جميع الأسماء في حالة التعدد أو الكثرة ، خصوصا إذا كانت البناية السكنية المشاعة غير قابلة للقسمة ، أما إذا كانت قابلة للقسمة فيمكن للمالكين أن يطلبوا من الإدارة الضريبية فرض الرسم بصورة مستقلة على كل وحدة سكنية مستقلة (5) .
أن يكون العقار السكني معدا ومهيأ للسكنى الرئيسية للمغاربة المقيمين بالخارج أثناء عودتهم إلى المغرب ، أو للسكنى الرئيسية لأزواجهم أو أصولهم أو فروعهم من عمود النسب المباشر من الدرجة الأولى ، وهو نفسه الإمتياز الممنوح للمقيمين داخل التراب الوطني كما سلف القول .
أن يكون العقار السكني مشغولا أو مخصصا فعلا على سبيل السكنى الرئيسية من طرف أعضاء الشركات العقارية المسماة ” شفافة ” والمحددة في الفقرة الثالثة من المادة الثالثة من المدونة العامة للضرائب ، حيث يفرض الرسم في إسم الشركة إذا تعلق الأمر بشركات عقارية مالكة لوحدة سكنية وحيدة مستثناة من نطاق تطبيق الضريبة على الشركات ، أو في إسم كل واحد من الشركاء عن كل جزء من العقار أو مجموعة عقارية يمكن استعمالها بصورة مستقلة (6).
تمديد نطاق الإسقاط من الرسمين المذكورين ليشمل الأرض التي تم تشييد البنايات السكنية عليها وكذا الساحات والممرات والملحقات والحدائق المتصلة بها أو التابعة لها مباشرة ، وذلك في حدود خمس مرات المساحة المبنية المغطاة لمجموع المباني (7).
تلك إذن هي الشروط القانونية الخمسة التي لا مناص منها، والتي بدون توفرها لا يمكن للخاضع ، أن يستفيد من الإسقاط من الرسم المفروض بسبب السكنى الرئيسية.
غير أن الإشكال الذي يبرز بحدة كبيرة ليس في توافر تلك الشروط من عدم توافرها، بل في كيفية إثبات شغل المسكن على سبيل السكنى الرئيسية ، وهل يصح إثباته بمختلف وسائل الإثبات المتوفرة والممكنة سواء عن طريق :
– نسخة من البطاقة الوطنية للتعريف تحمل بوضوح ودقة نفس عنوان المسكن موضوع الرسمين .
– أو شهادة إدارية تسلمها لهذا الغرض السلطة المحلية أو المنتخبة التي يوجد في دائرتها الترابية المسكن موضوع الرسمين .
– أو شهادة تسلمها الإدارات أوالمصالح المكلفة بتوزيع الكهرباء والماء الصالح للشرب ،أو مخالصات أو فواتير إستهلاك الماء والكهرباء والهاتف الثابت والأنترنيت .
وما العمل في حالة تعارض مضمون هذه الوثيقة أو الشهادة مع تلك – وما أكثر هذا التعارض على مستوى الواقع – وما هي الشهادة أو الوثيقة التي يجب ترجيح كفتها على الأخرى في حالة تنوع وتعدد الوثائق والشواهد ؟ وما العمل إذا كان المالك يتوفر على عدة مساكن يخصص بعضها لسكنه الرئيس الشخصي والبعض الآخر للسكنى الرئيسية لبعض زوجاته في حالة التعدد أو لأصوله أو فروعه من

عمود النسب المباشر من الدرجة الأولى ؟ وما العمل إذا كان المالك يتوفر على سكن واحد ووحيد في مدينة معينة ولا يقيم فيه بكيفية دائمة ومستمرة بحكم أنه يقيم في مدينة أخرى بسبب طبيعة عمله سواء في القطاع العام أو القطاع الخاص أو القطاع الحر حيث يتحتم عليه أن يبقى قريبا من مكان عمله حيث يقيم في مسكن آخر سواء كان سكنا وظيفيا أوعلى سبيل الإيجار ؟ وما هي حدود سلطة مفتش الضرائب التقديرية في التعامل مع هذه الحالات الإجتماعية المتشابكة ومع الوثائق والبطائق والشواهد والأوراق الإدارية التي يمكن أن تعرض عليه أثناء فرضه لرسمي السكن والخذمات الإجتماعية ؟
هذه التساؤلات تحتاج إلى أجوبة كافية ومقنعة من طرف القيمين على الشأن الضريبي ، وذلك في غياب نص قانوني صريح أومذكرة تفسيرية واضحة تعطي تفسيرا جديدا لمفهوم السكن الرئيسي وتحدد بشكل دقيق وعلى سبيل الحصر الوثائق التي يجب الإدلاء بها إلى مفتش الضرائب المختص من أجل الاستفادة من الإسقاط من رسم السكن ورسم الخذمات الجماعية المحدد قانونيا في نسبة 75 % بسبب السكنى الرئيسية ، خصوصا وأن الحكومة قد صادقت هذه الأيام على مشروع قانون لتوسيع جبايات الجماعات الترابية قصد تلبية الخصاص المالي الذي تعاني منه الجماعات الترابية وملاءمة أحكام مدونة الجبايات المحلية مع أحكام المدونة العامة للضرائب والقوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات الترابية ، كما أن المناظرة الوطنية الثانية للجبايات المنعقدة بمدينة الصخيرات كانت قد خرجت بمجموعة من التوصيات من بينها الإصلاح التدريجي للمنظومة الجبائية وإصلاح العلاقة ما بين الإدارة الضريبية والمتعاملين معها والتي شرعت الإدارة في الاستجابة إليها شيئا فشيئا وعلى مكث .
وفي الأخير وبحكم الممارسة والتجربة التي عشناها وراكمناها في الميدان الجبائي وانطلاقا من الحالات والنوازل التي عرضت علينا من خلال المنازعات في وعاء رسم السكن ورسم الخذمات الجماعية ، يبقى من واجبنا أن ندلي بالملاحظات والإقتراحات التالية :
* توسيع نطاق تطبيق رسمي السكن والخذمات الجماعية سواء من خلال العناصر الخاضعة للرسم أو الأشخاص الذين يجب أن يشملهم الفرض الضريبي .
* إعادة النظر في مجموعة من الإمتيازات والإعفاءات والتخفيضات الضريبية قصد الرفع من الموارد الجبائية المحلية .
* إعطاء مفهوم جديد وواقعي للسكن الرئيسي الذي يستفيذ من إسقاط بنسبة 75 % من القيمة الإيجارية المعتمدة في تصفية الرسمين، بإعتماد بعض الحالات الإجتماعية الجديدة كما هو الشأن بالنسبة للمالك الذي يتوفرعلى مسكن وحيد في كافة التراب الوطني ولا يقطنه بشكل دائم بحكم ظروف عمله كما سبقت الإشارة إلى ذلك ، والمالك الذي يملك مساكن متعددة ومتزوج بأكثر من زوجة واحدة وله أولاد متعددين .
* ضرورة دمج رسم السكن ورسم الخذمات الجماعية في رسم واحد ، تفاديا لكثرة وتنوع الرسوم مادام الهذف يبقى هو البحث عن موارد مالية إضافية للجماعات الترابية ، كما أن الرسمين تجمعهما معا نفس المقتضيات القانونية المتعلقة بالتصفية والواجبات والجزاءات والإحصاء والتقادم والمطالبات والتخفيضات والمقاصة (8) .

هوامش :
1- انظر الجواب الصادر عن المدير العام للضرائب بالرباط سنة 2019 بشأن نازلة توصل بها من المديرية الإقليمية للضرائب بعين الشق بالدار البيضاء ، حول مدى أحقية استفاذة مالكة لعقار معد للسكنى من الإسقاط بنسبة 75 %من القيمة الإيجارية ، حيث جاء فيه بأنه تعتبر سكنى رئيسية من أجل تطبيق المادة 24 من القانون رقم 47/06 المتعلق بجبايات الجماعات المحلية إذا كان المالك يتوفر على سكنى وحيدة بالمغرب سواء كان يقطنها بشكل دائم أو غير دائم ولو كانت مغلقة في أكثر الأحيان بشرط ألا تكون معدة للإيجار .
2- انظر المواد 33-34-35-36-37-38 من مدونة جبايات الجماعات المحلية المتعلقة برسم الخذمات الجماعية .

3- جاء في الفقرة الأولى من المادة 20 من مدونة جبايات الجماعات المحلية المتعلقة بالأشخاص الخاضعين لرسم السكن :
” يفرض الرسم باسم المالك أو من له حق الإنتفاع أو باسم حائز العقار أو واضع اليد عليه إذا لم يعرف مالك أو صاحب حق الإنتفاع منه .
إذا كان مالك الأرض غير مالك البناء يفرض الرسم في إسم هذا الأخير .
في حالة الشياع يفرض الرسم في اسم المالكين على الشياع ما لم يطلبوا فرضها بصورة مستقلة على كل وحدة سكنية تشكل سكنا مستقلا …”
4 – جاء في حكم صادر عن المحكمة الإدارية بالرباط رقم 3167 بتاريخ 08 أكتوبر 2013 ملف عدد 316/7/2012 ” وحيث أن البث في النازلة يتوقف على تحديد مفهوم السكن الرئيسي ومدى تأثيرواقعة تعدد الزوجات عليه ، أي بحث نطاق العلاقة والتكامل بين القانون الضريبي ومدونة الأسرة . وحيث أن السكن الرئيسي لا يثبت فقط من خلال العنوان الوارد ببطاقة التعريف الوطنية باعتبارها ورقة رسمية للهوية الشخصية … لأن السكن هو واقعة مادية مستمرة في الزمان والمكان تدل على الوجود المادي والقانوني بعنوان وبمقر معين وتدل عليه قيام الزوجية أو سبب العلاقة الأسرية المنصهرة فيه أي نطاق الإرتباط القانوني بالمقر … وحيث أن ثبوت كون العقار موضوع الفرض الضريبي كان بيتا للزوجية مخصص للزوجة الثانية وأولاده منها حسب الثابت من وثائق الملف وخاصة بطائق تعريف أبناءه التي تحمل هذا العنوان إضافة لعقود اشتراك الهاتف فضلا عن الشهادة الإدارية الشيء الذي يجعله سكنا رئيسيا بمفهوم مدونة الأسرة لأن الزوج ملزم قانونا وشرعا بتوفير سكن خاص ومستقل للزوجة انفردت أو تعددت لأنه عنوان المساكنة الشرعية …وحيث أن تعلق مقتضيات مدونة الأسرة الواجبة التطبيق بالنظام العام يجعلها مقدمة على ما عداها من النصوص الأخرى ، باعتبارها مقتضيات خاصة في المجال المدني تقدم على النص العام الضريبي ، لكونها نصوص تتعلق بالخلية الأولى للمجتمع وهي خلية الأسرة المكرس حمايتها دستوريا ودوليا … وأمام ثبوت أن العقار موضوع التوجيب الضريبي كان سكنا رئيسيا للمدعي فإن الضريبة موضوع الطعن تبقى غير مؤسسة لإفتقادها لركن الشرعية ومخالفتها لقواعد النظام العام وواجبة الإلغاء بذاتها لغياب محلها .”
5- انظرالفقرة الثالثة من المادة 20 من مدونة جبايات الجماعات المحلية .
6- انظر الفقرات الأخيرة من المادة 20 من مدونة جبايات الجماعات المحلية .
7- انظر مقتضيات المادة 19 من مدونة جبايات الجماعات المحلية المتعلقة بالعناصر الخاضعة لرسم السكن .
8- انظر المادة 38 من مدونة جبايات الجماعات المحلية المتعلقة بالمقتضيات المختلفة .

انتهى.

*إطار ضريبي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى