ثقافة وفنونسلايدر

حديث مع الصورة: في الذكرى المائة لتأسيس ثانوية ابن سليمان الروداني/ج3

للكاتب والباحث علي هرماس

1353هـ 1937م تم تحرير جملة مطالب إصلاحات اساسية باسم الشعب المغربي تقدمت بها كتلة العمل الوطني، بعدما لوحظ أن منجزات الحماية الفرنسية بالمغرب لم تسمح برقي المجتمع المغربي الذي يشاهد ابناءه تشييد المدارس لتعليم أبناء جالية المعمرين، وتمكينهم من سبل المعرفة العلمية، واعتبروا ذلك امتيازا عنصريا يرمي لإعداد جيل ثاني ليتولى ادارة التسيير كما حدث بقطر مجاور، بينما المغاربة ما يزالون يعانون ويلات الأمية الأبجدية والمعرفية، فجاء مطلب إصلاح التعليم الذي تشرف عليه وزارة المعارف يتصدر المحور الخامس ،المجال الذي كان يجسد بالمكشوف سياسة التمييز والتفرقة بين شرائح المجتمع المغربي، حيث نجد التعليم الفرنسي في المرتبة الأولى لتزويد الادارة بالأطر تجسده بتارودانت l’école française التي تأسست 1940 المنصور الذهبي، والتعليم الفرنسي اليهودي في درجة ثانية تجسده l’école de l’alliance juive مدرسة الرابطة الاسرائيلية 1928-ابراهيم الروداني- كانت تلقب “مدرسة قبور ليهود”، أخيرا التعليم الفرنسي الاسلامي وهو نوعان: مدارس أبناء الأعيان ومدارس أبناء الأهالي تجسده المدرسة الأهلية للتعلم بتارودانت 1921 والتي ستحمل لاحقا 1947اسم ثانوية ابن سليمان الروداني.

على خلفية خطاب طنجة التاريخي 9ابريل 1947 واستنادا لمطالب كثلة العمل الوطني السابقة الذكر، ارجع من جديد تعليم الحرف بشكل عصري أكثر تجهيزا وعصرنة، لكن أغلب ابناء تارودانت كانوا يشتغلون مع آبائهم في الفلاحة التي يمارسها ثلاثة أرباع الرودانيين، وأقلية قليلة موزعة على مجموع الصناعات التقليدية والحرف اليدوية بمختلف سماطات تارودانت كالخرازة والحدادة والدرازة والدباغة والجزارة والعطارة والخضارة ،،، ما عدا سماط التعدين “جوالقية” و”الحلايسية” ،حرفتان انفرد بممارستهما يهود تارودانت دون المسلمين.

ø;
شكلت هذه المرحلة تطورا نوعيا ونقلة تاريخية، في مسار التعليم المدرسي enseignement scolaire والتعلم المهني apprentissage professionnel بثانوية ابن سليمان الروداني، ما بعد خطاب طنجة التاريخي للسلطان محمد بن يوسف الذي انتقد بشدة منهج سلطات الحماية الفرنسية في التعليم بخلقها ثلاثة نماذج بالمغرب، ما يعتبر تمييزا في السياسة التعليمية وتفرقة اجتماعية؛ بسبب هذا الخطاب وحمولته الوطنية الثقيلة ومضمونه السياسي القوي، تم إعفاء المقيم العام بالمغرب اريك لوبون Eirik Labonne بعد شهر ونيف، ليخلفه ألفونس بيار جوانAlphonse Pierre Juin، عبثا حاول بدوره السيطرة بضبط وثيرة تنامي الوعي بضرورة قيام فرنسا بإصلاحات فعلية، في مقدمتها تمكين المغاربة من تعليم جيد وتكافأ فرص التحصيل المدرسي والتعلم المهني بشكل ملموس.


بعد سنتين من تقديم مطالب الاصلاحات باسم الشعب المغربي وتنامي الشعور الوطني، لم تجد سلطات الحماية بدا من تنزيل بعض تلك المقترحات وسمحت بتشييد مدارس جديدة لتوسيع قاعدة التعليم وشريحة المتعلمين الذين لم تكن نسبتهم العامة تتعدى 2.7% سنة 1945، كذلك تنويع العرض التعليمي وكان من بين أولى المدارس المحظوظة التي شملها الاصلاح على المستوى الوطني بالمغرب، المدرسة الأهلية للتعلم l’école indigène d’apprentissage بتارودانت؛ فإلى جانب حصص التعليم العام عربية وفرنسية وحصص مع سي ماد أوروس لتحفيظ القرآن، وسي رشيد المصلوت رحمة الله عليهما لتدريس قواعد التجويد يخصص لهما يوم كامل، نجد حصص التكوين المهني التي عرفت تحولا نوعيا في أنماط التعلم apprentissage بتطوير شعبة النجارة وشعبة الحدادة من الطابع الحرفي التقليدي الى الصيغة المهنية العصرية؛ تتم الدروس النظرية بالحجرات الدراسية فيما التطبيق يكون بمرآبين ضخمين طولا وعرضا وارتفاع جوار القسم الداخلي gigantesques hangars، الأول للنجارة والثاني للحدادة، أما شعبة البستنة النباتية والبستنة الغذائية jardin potager et jardin fruitier بعد الدروس النظرية بالثانوية تتم الأشغال التطبيقية بجنان الأحباس، الأول بحومة القصبة – مركز تكوين الأساتذة حاليا- والثاني بمجمع الأحباب شيدت فوقه مدرسة عبد الله بن ياسين، أول مُعلم مغربي قدّم الدروس النظرية وأشرف على الأشغال التطبيقية سي جيلالي بوحديوي جيء به من مدينة صفرو، بمجرد التحاقه بتارودانت كونه غريب الدار، تسلم احدى السكنيات الوظيفية الملحقة بالثانوية بمحاداة دار البارود، هذا التخصص وغيره حصل في إطار مطالب إصلاح التعليم وتنويع العرض المدرسي النظري ومعه التطبيقي بما يتماشى والخصوصية الاجتماعية المحلية.

يقول الذاكرة عبد الكبير بنعبيدو، بعدما سمعت “البرّاح با حاضي” يسكن وقتئذ بحومة القصبة، بعده جاء دامبارك ديويد ؛ انطلق البرّاح فوق دابته يجوب أزقة تارودانت محذرا متوعدا “كل ولد لم يذهب لسكيلا فان والده سيذهب للحبس !!!”، من خلف البهائم بأحراش غابة سيدي بورجا هرعت مسرعا لتسجيل اسمي “فسكيلا-ابن سليمان” يقول الراوي، حيث صادفت بعض أولاد تارودانت دون أن يعرف بعضنا البعض، في المساء بعدما راح الوالد من الغابة الى البيت سألني:

– لماذا يا ولدي هربت وتركت الأبقار تائهة بمفردها في الغابة دون إخباري؟؟؟

– خفت عليك أبتي يأخذوك للحبس بالقصبة بسببي، هذا ما يقول به “البرّاح” وقد سمعته بأذناي، وأعاهدك أن ألتحق بك لرعي الأبقار يومي السبت والأحد مهما تطلب الأمر !!!

وأضاف، دخلت الى ابن سليمان الروداني 47-48، نحن الفوج الثاني في حرفة النجارة، أما الفوج الأول الذين سبقونا من بينهم سالم بنعبيدو شقيقي وساكني و محمد البريمي وغيرهم من خريجي فوج 39-40، ويستطرد الراوي في القول، كنا ندرس وفي نفس الوقت نتعلم “الصنعة”، لسبب ما توقف تعليم الحرف الصناعية بضع سنوات،(يتعلق الأمر بجائحة وباء الطاعون 1942-1945 الذي ضرب تارودانت بقوة، ما اضطر سلطات الحماية الفرنسية تعليق الدراسة ومعها التداريب التطبيقية وإغلاق المدرسة لبضع سنوات)، ويختم الراوي بالقول، عند نهاية كل دورة نحصل على منحة نقدية قدرها 75 درهما يتسلمها الأب بمعية ابنه التلميذ حضوريا لتوفير حاجياته وتشجيعه على المواصلة والالتزام.


هذا هو السياق الوطني العام الذي تدخل فيه ظروف وأسباب تجهيز ورشة الحدادة في ثانوية ابن سليمان الروداني بآلات حديثة لتطويع الحديد بكامل اليسر والمرونة fer forgéبدل المطرقة والسندان المتداولين بسماط الحدادين، والكي الكهربائي soudeurالذي سهل تلحيم القطع ولمّ الأطراف، أيضا ورشة النجارة كان يشرف عليها مسيو بسكي Busquait،عرفت بدورها نقلة نوعية بعد جلب أدوات فن خراطة الخشب ébénisterie،ليبقى الاقبال على النجارة المرتبطة بالبناء menuiserie de bâtiment تستأثر بالاهتمام بحكم سهولة التعلم ومستقبل المهنة في مدينة ما يزال يغلب عليها الطابع الاجتماعي البسيط والشكل العمراني التقليدي، من بين النجباء خريجي شعبة النجارة1950، ولد الحاج المحجوب محله ملاصق برياض المرحوم الحاج حماد خاي في المنعرج، عهدت اليه جمعية علماء سوس مشروع نجارة أبواب ونوافد المعهد الاسلامي 1958بمساعدت المتدربين بورشته، المْعلّم عبد الكبير بنعبيدو وشخص آخر يدعى مولاي علي، الأخير توفي في زلزال أكادير بمعية صاحب الورشة رحمة الله على الجميع، فاستمر بمفرده بنعبيدو الشاب اليافع وقتئذ تكلف بإتمام مشروع المعهد الاسلامي، تعديل الاطارات الخشبية l’ajustement وتدقيق الأبواب والنوافذ la finition وهو يمثل الدفعة الثانية من المحترفين حاملي شهادة التأهيل، خريجي وحدة التكوين من ثانوية ابن سليمان الروداني تخصص النجارة العصرية.

أخيرا وحدة التكوين في ميكانيك السيارات من بين المتعلمين الأوائل المدعو “علي ولد فارس/سي حمدان”، ورشته من زمان جوار معهد محمد الخامس – مرآب السيارات قبالة مقهى التضامن حاليا- علي ولد فارس من عينة النجباء الأذكياء، حب المعرفة والتعلم الذاتي جعله يطور مؤهلاته الحرفية فيما بعد، ليصبح مهنيا محترفا من ميكانيك السيارات الى الشاحنات الى محركات الوقود السائل لضخ المياه الجوفية ومعها مضخة جلب مياه السقي من عمق الآبار، بعد وفاته قبل سنوات مشى خلفه جمهور غفير من الناس بينهم كبار الفلاحين بتعاونية كوباك، اعترافا منهم بجميل خدمات سابقة مند السبعينات، طبعها على الدوام الثقة في التعامل والصدق في الخدمة والكلمة التزام والتعهد وفاء، مبادئ تشبع بها الرعيل الأول ما بعد الاستقلال من أبناء تارودانت، ما بين كُتّاب مسجد الحومة وثانوية ابن سليمان الروداني.

عند نهاية كل وحدة من التداريب التعلمية بشعبة النجارة والحدادة، يفتح المجال للتصميم الفني والتشكيل الهندسي ليبرز التلاميذ المتعلمون مهاراتهم الفنية ومؤهلاتهم الابداعية لتجسيد وصنع عينة نماذج تطبيقية prototype يتم عرضها للبيع بالمزايدة العلنية في ورشة الثانوية بين المعلمين الأجانب أنفسهم والمغاربة على قلتهم تشجيعا للتلاميذ المبدعين، من هنا برزت نخبة من أبناء تارودانت المهرة الأذكياء النجباء منهم المرحوم سي محمد البريمي القاطن قيد حياته جوار مكتب البريد-المدينة، بعد تخرجه سجل له التاريخ المحلي كونه اول من اسس بتارودانت مقاولة متخصصة في النجارة العصرية تحت اسم “نجارة المستقبل”، اختيار التسمية دليل على نضج تفكير الفتى/الرجل وبُعد نظره، حيث اعتمد دفتر من الحجم الكبير بمثابة نظام السجل التجاري لنفقات الواردات، ودفتر من الحجم الصغير للمحاسبة، ودفتر تقطيع فتورات الأداء لتصفية الصفقات التجارية وتبرئة دمة الزبائن، ترتيبات عمل ونظام داخلي لضبط التسيير فقط، لأن الأصل في المعاملات بصفة عامة بين أهل تارودانت حتى نهاية السبعينات التعهد ضمير، والثقة متبادلة، والكلمة لوحدها اتفاق والتزام عمل وصدق خدمة ووفاء محدد الأجل من دون تلكأ أو تسويف.

فيما يخص حصص التعليم العام المدرسي، وتبعا لتداعيات خطاب طنجة التاريخي والزيارة التاريخية للسلطان محمد بن يوسف لثانوية ابن سليمان الروداني 1947، أُرغمت مديرية التعليم المنتدبة لدى الاقامة العامة الفرنسية بالمغرب على توفير الدفاتر من مختلف الأحجام وأقلام الرصاص غليظة والممحاة والمسطرات جميعها بوفرة وزيادة، والريشة المعدنية الخاصة بكتابة اللغة العربية وأخرى للغة الفرنسية والمداد والمحبرات وبعض كتب المقررات المدرسية وغيرها، جميع هذه العدة المدرسية والوسائل التعليمية جُلبت من فرنسا وتبقى بالثانوية بعد انتهاء الحصص الدراسية، وحده الدفتر وقلم الرصاص يسمح للتلميذ بحملهما معه الى البيت لكل غاية تعليمية إضافية مفيدة؛ عند نهاية الحصة المسائية يتناول كافة التلاميذ لمجة العشي casse-croute في الداخلية، لحظة انصرافهم الساعة الخامسة مساء، ينتظمون في صف واحد جنب الحائط من باب ثانوية ابن سليمان الروداني حتى مشارف ساحة القصبة، حيث ينتظر في مقدمة الصف شخص يدعى سي ماد مينة “خدام” تؤدي له الأجرة من قبل المخزن المحلي، مهمته المخزنية مرافقة التلاميذ كل مساء وتوزيعهم على الكتاتيب القرآنية بمساجد الحومات التي يسكنون بها لحفظ القرآن وتعلم الكتابة والقراءة عند مدرر كُتّاب الحومة، ثم يؤدون صلاة المغرب وحضور الحزب الراتب الى أن يحين وقت صلاة العشاء جماعة، بعدها يلتحق كل تلميذ/طفل ببيته منهكا متعبا لا يلوي على شيء غير النوم.

كانت الحصة الصباحية تبدأ تمام الثامنة بالضبط، وتنتهي في الثانية عشرة لينصرف التلاميذ كل الى بيته، مسار طريق معلوم وتوقيت مسير مضبوط دون لف أو دوران، يبقى الخيار لمن يفضل تناول وجبة الغذاء بالثانوية يتجه الى جناح الداخلية الذي شيد سنة1941، مرفق إيواء وتغذية ظلت مؤونته تفيض وزيادة عن الحاجة من حليب البقر والزبدة الطبيعية والبيض البلدي في سلال قصبية، ودجاج الرعي أوالأرانب الداجنة من حين لآخر، والهبر واللحم المفروم وكبد العجل والخضر المتنوعة بحزمات كبيرة، واكياس الشتم من الفواكه الموسمية، استمر هذا العطاء حتى مطلع 1970 وهو سمعته على لسان المرحوم الحسين منصف مديرنا بإعدادية رحال المسكيني 91-97، واستدرك عليه ما نسيه بعض زملاء العمل نزلاء داخلية ثانوية ابن سليمان الروداني نهاية عقد الستينات، كان وقتئذ سي الحسين منصف حارس عام للداخلية بمعية سي حمايتي مقتصد الثانوية.

همة التعلم والتحصيل كانت تطارد أطفال تارودانت وعائلاتهم من خلفهم مند خطاب طنجة، بعده بشهرين فقط زيارة محمد بن يوسف تارودانت لذات الغرض، الواقعة التي أحدثت تغييرا جذريا في المسار التاريخي للثانوية، بعد الحصة الصباحية تبدأ الحصة المسائية تمام الثانية بعد الزوال حيث يكون الجميع وجوبا داخل الفصول الدراسية، وكل غياب أو تأخر متكرر بدون عذر يعتبر الأب مسؤولا عنه كونه شغل ابنه عن المدرسة أو حرمه لمساعدته في شؤونه الخاصة، في هذه النازلة الأخيرة – وهي استثناء نادر يستحيل تكراره بعد حصوله- يتم التبليغ عنه النقيب دونا Denain le capitain رئيس مكتب الشؤون الأهلية/البيرو من طرف مدير الثانوية مسيو بيتو Pitault ، الحاكم الفرنسي المحلي من جهته يستدعي الأب على عجل لاستفساره وتحرير محضر بذلك، ثم يقرر العقوبة المناسبة طبقا لطبيعة المخالفة المدرسية مع استحضار الظروف الاجتماعية للمعني، بدءا بتحديره من المنهي عنه وإنذاره في حالة العود كإجراء أولي، مرورا بخدمة نوبة العسة والسخرة/جراي كعقوبة من الدرجة الثانية ، وانتهاء بحكم الأشغال الشاقة ذات طبيعة اجتماعية كالحفر أو البناء أو شق وتطويع المسارات الطرقية بالمدينة وأحوازها، وهو مالم يثبت قط أنه حصل لأنها إدانة سياسية للوطنيين، يتم فقط التلويح بها كفزاعة شفوية تهديدية في حالة غياب التلميذ وليس التأخر المتكرر عن وقت الدخول المدرسي.

هذه الصرامة المدرسية من زمن الحماية الفرنسية بثانوية ابن سليمان الروداني، جعلت جميع أطفال تارودانت تلاميذ الثانوية منتصف القرن العشرين ومعهم آبائهم، يلتزمون بالمدرسة ويخضعون للنظام وينضبطون للوقت بدقة، فلا ترى في المسار الطرقي من البيت الى ثانوية ابن سليمان الروداني سوى الهرولة واللباس القشيب تتقادفه الركبتين بين ساقين نحيفتين مخافة التأخر، فكان جيل أطفال صُلع بأجساد شبه عارية، وأقدام حافية، لكن بهمة جد عالية.

كل زمن وتارودانت بألف خير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى