أعمدة الرأي

“لجنة التنمية” .. التقرير المنتظر

بقلم: عزيز لعويسي

يرتقب أن تقدم “اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي” تقريرها النهائي أمام أنظار الملك محمد السادس في قادم الأيام، بعد أن استفادت من تمديد إضافي اعتبارا للمتغيرات الجديدة التي حملتها جائحة كورونا التي لازالت تفرض سلطتها علينا وتعبث بأوراقنا بدون كلل أو ملل منذ ما يزيد عن السنة، وعلى الرغم من قسوتها وما أحدثته في معيشنا اليومي من مشاهد اللخبطة والقلق والتوجس والترقب والانتظار، إلا أنها كانت رحيمة بلجنة التنمية وقدمت لها هدايا في طبق من ذهب، بعدما كشفت عنوة عن تضاريس الحقيقة المرة التي برزت معها صور ما يعتري مشهدنا السياسي والاقتصادي والاجتماعي من مفردات الضعف والتواضع والهشاشة والمحدودية، في مجالات وقطاعات حيوية واستراتيجية على رأسها الصحة والتعليم والشغل والسكن ..

وهي حقيقة مقلقة ندركها جميعا تمام الإدراك، باتت كالجائحة التي تم التطبيع معها، والتي لا نواجهها إلا بسياسة “الرتوشات” و”المساحيق” ورفع شعارات “قولو العام زين” والرقص الاعتيادي على رقصة “الأرقام والمعطيات” التي بات حالها كحال الغربال الذي يراد له إخفــاء شمس الحقيقة المرة، وفي هذا الصدد، فمن حسناتنا وحسنات “لجنة التنمية” أن الإمبراطور “كوفيد التاسع عشر” وعقيلته المشاكسة الإمبراطورة “كورونا” فضحا المفضوح وكشفا المستور بعيدا عن لغة الخشب ومفردات الترميم، وبمعزل عن الحسابات السياسوية الضيقة..

يكفي النظر إلى حجم الأزمة التي كشفتها الجائحة في القطاع غير المشكل (غير المهيكل) الذي يضمن الشروط الدنيا لحياة الملايين من الأسر التي تلتحف التواضع والهشاشة، ويكفي أن نتأمل حجم المأساة القائمة في مجال الحماية الاجتماعية والصحية، بشكل يجعل الملايين من المغاربة البسطاء والغلابى بعيدا كل البعد عن الحق في الولوج إلى الصحة والحماية الاجتماعية، ويكفي أيضا النظر في حجم الضرر الذي لحق الكثير من المقاولات الصغرى والمتوسطة التي انحنت عنوة أمام الضربات الأولى للجائحة الكورونية، دون إغفال عمق المآسي الراقدة في صمت في عدد من المدن المنسية والقرى المعزولة وسط الجبال التي لايعلو فيها صوت على صوت الإقصاء والتهميش والإهمال، بشكل يجعل شرائح واسعة من المغاربة خارج رحاب التنمية بكل أبعادها ومستوياتها ..

هي مشاهد من ضمن أخرى، أبانت عن عمق الأزمة ودرجة الضرر ومستوى الخصاص، في ظل جائحة عالمية فضحت كل شيء وقدمت للدول والحكومات والمجتمعات دروسا وعبر، لا تستدعي فقط الوقوف أو التأمل، بل وتفرض تملك الإرادة الحقيقية في تجاوز الأعطاب وتخطي كل مظاهر القصور والبؤس والهشاشة والمحدودية، والقطع مع سياسة “مساحيق التجميل” التي تغيب الحقيقة قهرا وتعطي الانطباع أن “العام زين” و “كلشي واكل شارب” خلافا للحقيقة الراقدة كالجمر تحت الرماد …

الجائحة نشرت غسيل السياسات العمومية المرتبكة أمام الملأ، وأعطتنا كدولة وحكومة وأفراد وجماعات، فرصة سانحة لتغيير الذات وإعادة ترتيب الأولويات واستثمار القدرات الفردية والجماعية، بما يضمن وضع البلد على سكة الإقلاع التنموي الشامل، لأن “كورنا” أبانت بجلاء أن المستقبل غامض جدا وأن المخاطر الوبائية القائمة والمحتملة، باتت تشكل التهديد الحقيقي للإنسانيـة، ولابديل لمواجهة المستقبل بخطوات موزونة ورؤى متبصرة إلا بالإصلاح الناجع والفعال، والرهان على بناء الإنسان/المواطن الذي تتحقق به وعلى يديه شــروط التقدم والارتقاء ..

يصعب في هذه اللحظة المفصلية قراءة الفنجان للنبش في حفريات ما توصلت إليه “اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي” من رؤى وخلاصات وبدائل، كما يصعب التنبؤ بالهوية الخاصة التي ستطبع كيان “النموذج التنموي المرتقب”، لكن نأمل أن تكون اللجنة التنموية، قد وضعت الأصابع عند مكامن الخلل ومكامن البؤس والارتباك، واستطاعت أن تلتقط إشارات ما حملته الجائحة من دروس وعبــر، وأن تكون لها الشجاعة والجرأة لقول الحقيقة كما هي ولو كانت مؤلمة، وقبل هذا وذاك، أن تكون قد وفقت في أن تقدم لنا مشروع “نموذج تنموي جديد” نعول عليه أفرادا وجماعات، لتخليصنا من مشاهد الهشاشة والارتباك والتفاوتات المجالية والفوارق الاجتماعية، بشكل يتيح للوطن فرص النهوض والارتقاء التنموي الشامل ..

“نموذج تنموي جديد” ومهما كانت المرجعيات المؤسسة لمدخلاته ومخرجاته، نرى أن أي “نموذج تنموي” ومهما كان متقدما، لن يحقق الأهداف المرجوة منه، إذا لم ترافقه إجراءات موازية مرتبطة بتطهير الحقل السياسي من الطفيليات والكائنات الانتخابوية، والقطع مع الريع ومحاصرة “كوفيدات” الفساد والعبث، ومضايقة المتربصين بالمال العام، وتفعيل مبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة” و”عدم الإفلات من العقاب”، وإرساء أسس متينة لدولة الحق والقانون والمساواة والعدالة الاجتماعية، والرهان على التعليم “الناجع” و”الفعال” الذي بدونه يصعب الحديث عن “مواطنة” ولا عن “تنمية” ولا عن “نهوض” … ونختم المقال، بأن نتمنى أن نكسب رهان مرحلة “المسؤولية” و”الإقلاع الشامل”، لأننا سئمنا الارتباك وضقنا ذرعا من “سياسة المساحيق” ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى