غابة الأركان بين المطرقة والسندان

تشكل غابة الأركان ما نسبته 71% من الغطاء النباتي بمنطقة سوس ، نعمة خاصة بالمغرب دون سواه ، وعلى الصعيد الوطني تمثل غابة الاركان 18٪ من المساحة الغابوية الوطنية ، انها من فصيلة الأشجار الصنوبرية ، تعيش لمدة قرون ولها فوائد صحية لا حصر لها، فهي تنشط الدورة الدموية وتحد من أمراض القلب، وتعمل على خفض نسبة الكولسترول في الدم ، ولها قوة هائلة على مقاومة الجفاف، كما تساهم مساهمة فعالة في مقاومة زحف الرمال، ذلك لكون جذورها ممتدة في أعماق الأرض. في 1999 صنفت منظمة اليونيسكو هذه الشجرة تراثا إنسانيا يستحق العناية والاهتمام. وفي هذا الإطار ساهمت المنظمة في إحداث محميات لشجرة الأركان بالمنطقة من خلال أنشطة فعاليات المجتمع المدني المحلي وتم تطبيق مجموعة من البرامج بهدف إدماج ساكنة المنطقة في منظومة الإيكولوجية لحماية الشجرة وتقديم الدعم لاستخلاص زيت أركان ، بعد أن لم يتبقى سوى 8600 كلم مربع من المساحات التي تغطيها هذه الشجرة حيث تختفي منها 500 كلم مربع في السنة. صحيفة ذي كريستيان ساينس مونيتور الأمريكية في عددها الصادر يوم الاثنين 17 غشت 2009 نشرت مقالا حول إنتاج زيت أركان بالمغرب وفوائده المتعددة التي تعدت ما هو نظام غدائي ومستحضرات تجميل الى الابحاث الطبية والمختبرية الصيدلانية لاستخلاص جزيء كيميائي يحمل سر انتفاء بعض أمراض القلب والشرايين وسط السكان بالمناطق التي تعتمد جزئيا على مستخلص زيت الأركان في التغدية؛ وهكذا انتقل سعر اللتر الواحد من 20 درهما سنة 1988 إلى 300 درهم في السوق المحلي بالمغرب سنة 2010 وخارجيا وصل السعر إلى 300 أورو للتر باوربا و200 دولار بكندا . من هنا وجب تحيين الظهائر التي تفرض الحماية القانونية للشجرة وهما ظهير 1925 و 1917 وتكييفها مع الواقع لأن المجتمع المدني بالمنطقة ولقناعته بقيمة هذه الشجرة يعمل جاهدا للحفاظ على هذا الموروث وحمايته، إلا أن هذه المجهودات لاتزال ضعيفة في ظل التواطئ المسكوت عنه باقتلاع الأشجار دون الانتباه إلى سلبيات هذا العمل. رئيس المكتب الجهوي لوكالة المغرب العربي للأنباء سابقا باكادير والذي أنجز بحث قيم حول شجرة الأركان حصل بموجبه على الجائزة الوطنية الكبرى للصحافة سنة 2005 ، ذكر أن شجرة الاركان تعد بشكل مباشر أو غير مباشر مصدر رزق لحوالي 3 ملايين شخص بالمغرب، كما أن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة اليونسكو صنفت بتاريخ 8 دجنبر 1998 شجرة الأركان تراثا إنسانيا وحددت منطقة تزيد مساحتها عن 800 ألف هكتار تقع بين أكادير والصويرة محمية طبيعية. وهذا ما وفر اليها الأمن من جشع المستثمرين الفلاحيين والمنعشين العقاريين وتحظى بمراقبة صارمة من طرف المندوبية السامية للمياه والغابات ودعم بشري وآليات من قبل القوات المسلحة الملكية المغربية في اللحظات الحرجة كمكافحة حرائق الغابات صيفا ودعم لوجستيكي بطائرات كانادير من الخارج خاصة الجارة اسبانيا اثناء حرائق الصيف . ويتواجد جزء كبير من غابة الأركان بجهة سوس ماسة وعلى سفوح الاطلس الكبير الغربي ويشغل بذلك مساحة تقدر بحوالي 730.127هكتار ، فغابة اركان تضمن استقرار السكان القرويين وذلك لما توفره من الكلأ لماشيتهم ومواد غذائية كما ان زيت الاركان اصبح يستعمل في مواد التجميل لتوفره على نسبة عالية من الحامض الدهني ورغم كل هذه المزايا فان شجرة الاركان التي طبعت مند قرون المجال الطبيعي والثقافة البربرية الجهوية اصبحت في الوقت الراهن مهددة بالاستغلال المفرط للفلاحة والرعي فحمايتها وصيانتها بشكل مستديم لأنها ثروة وطنية تعيش مخاض الانتشال من نزيف الاستغلال المفرط في افق ايجاد ملاد التجدد الدائم. . لعل الاستقصاء الموضوعي للحالة الراهنة للمحمية الطبيعية للاركان بعد مضي عقود متتالية من الاستغلال المفرط لمواردها الطبيعية من طرف الانسان والحيوان على حد سواء فضلا عن سنوات الجفاف واستنزاف الفرشات المائية وغيرها ، لكفيل لإماطة اللثام عما شهده هذا المجال البيئي الممتد على مساحة تفوق 700 الف هكتار من استغلال عشوائي بات يهدد الثروة الوطنية في حالة عدم توقفه، ولا تقف حالة تدهور محمية اركان عند هدا الحد بل تتعداه لتصبح الوضعية اكثر سوداوية كما يتضح من خلال نتائج دراسة ميدانية انجزت مؤخرا واكدت ان الطلب على حطب الوقود وحده يكلف الغابة ما معدله 300 الف متر مكعب من الحطب سنويا، غير انه مع مطلع الستينيات من القرن الماضي شهدت زراعة الخضروات التسويقية وبعدها لاحقا الغلل الموسمية في البيوت البلاستيكية بمنطقة سوس و بالضبط في المناطق الخصبة التي تشغلها شجرة الاركان توسعا كبيرا ومكثفا الشيء الذي ادى الى تعقيد الوضعية البيئية لمحمية اركان اكثر فاكثر خاصة مع مطلع السبعينيات حيث شهدت موجة اجتثاث كبيرة للاشجار فضلا عن حفر العديد من الابار والتعاطي للنشاط الفلاحي المتنقل الذي ينهك التربة في ظرف زمني يصل في اقصى مداه الى ثلاث سنوات بواسطة استأجار حق الحيازة للوعاء العقاري بغابة الأركان ، لينتقل المستثمرون الفلاحيون بعد ذلك الى البحث عن اراضي فلاحية جديدة لم يسبق لها ان استغلت من قبل .وكنتيجة منطقية لهدا النمط من الاستغلال الغير المعقلن سجلت مصالح المديرية الجهوية للمياه والغابات للمنطقة الجنوبية الغربية حدوث تراجع مهول في عدد اشجار اركان من 100 شجرة في الهكتار الواحد عند بداية الاربعنيات الى ما بين 30 الى40 شجرة مع مطلع عقد التسعينيات من القرن الماضي .وارتباطا بدلك يتوقع ان تتراجع المساحات الغابوية بمنطقة سوس خلال الفترة الممتدة ما بين 1998و2008 بنسبة تتراوح 33 و42 في المئة من مجموع المساحة الغابوية اي حوالي 150الف هكتار خلال الفترة نفسها مالم يتم التصدي لهذه الوضعية وعن طريق الشروع في تنفيد مجموعة من الاجراءات المستعجلة من ضمنها على الخصوص تشبيب وتخليف الغابة بواسطة برامج التشجير . ولعل النصوص القانونية والتشريعية التي تنظم اطار تعامل الانسان مع المجال الغابوي على الصعيد الوطني والتي تمتاز بمرونة متناهية فضلا عن كونها اصبحت متقادمة ساهمت من جانبها بقسط وافر فيما بلغته غابة اركان من تدهور اصبح هناك اجماع على خطورته .فالقانون الصادر سنة 1917والذي يسري على مجموع المجال الغابوي الوطني باعتباره ملكا للدولة لوحظ خلال السنوات الاولى لتطبيقه ان غابة اركان ومن خلال العلاقات التي تجمعهما بالسكان القرويين تملك من الخاصيات ما يجعلها مؤهلة لتصبح في نظر المشرع حالة خاصة تستوجب اصدار قانون خاص بها وهدا ما ادى الى اصدار ظهير 4 مارس 1925الدي يسري على غابة الاركان لوحدها دون غيرها من المجالات الغابوية الاخرى عبر التراب الوطني . و تنص ديباجته هذا الظهير/ بيان الأسباب، صراحة على استثناء تلك الغابات من تطبيق مقتضيات ظهير 1917 كمايلي : ” إن كيفية مباشرة حقوق التصرف التي لرعايانا منذ القديم في غابات شجر أركان الكائنة جنوب مملكتنا السعيدة وهي حقوق يصرح جنابنا الشريف تصريحا كليا بحفظها و بقائها لا تسمح بأن تجري على تلك الغابات بلا شرط ولا استثناء القواعد الموضوعة لوقاية الغابات لأجل المصلحة العمومية طبقا لظهيرنا الشريف المتعلق بالغابات والمؤرخ بعشرين حجة عام 1333 الموافق لعاشر أكتوبر سنة 1917″ . من جملة ما نص عليه هذا الظهير، تمتيع الساكنة القروية المتواجدة بنطاق غابة الاركان بحق الانتفاع بثمار هده الشجرة وحرث الاراضي التي تشغلها وجمع الاخشاب وقطع الحطب من اجل التدفئة وصنع الفحم الخشبي مجانا بعد الحصول على ادن من سلطة المياه والغابات وغيرها من المنافع الاخرى التي تكيف حياة السكان القرويين بالجنوب الغربي للمملكة. وعلى الرغم من كون هذا القانون الذي بقي يتيما طيلة عقود متتالية مند صدوره مع مطلع القرن الماضي خول للساكنة القروية حقوقا كبيرة الا ان احترام مقتضياته بقيت بعيدة المنال الشيء الذي أدى الى تفاقم الاختلالات البيئية لمحمية الاركان خاصة مع تزايد النمو الديمغرافي والتحسن النسبي في ظروف عيش السكان وتزايد الطلب على المنتوج الغابوي ، مما جعل القانون الذي يسري على مجال غابة الاركان لا يتلاءم اطلاقا مع المعطيات البيئية الراهنة ، لاسيما وان بعض النصوص التي صدرت لاحقا جاءت لتقنن حالات محددة بعينها واصبحت بدورها متجاوزة في الظرف الراهن . ويتضح مما سبق ان الضغط البشري على الوسط الطبيعي وعلى الموارد تجاوز بشكل كبير حدود التحمل البيئي وفي حال مالم تتم المبادرة بتفعيل اجراءات ملموسة وعاجلة لحماية المحيط الجغرافي لغابة اركان التي تعتبر اخر حاجز طبيعي اخضر يحول دون زحف الرمال الصحراوية نحو المناطق الداخلية فمعنى ذلك ان المجال الترابي المغربي اصبح مشرعا امام التصحر الذي يكلف المغرب سنويا ما يعادل 0.3 في المئة من الناتج الوطني الاجمالي الخام دون احتساب ما سيترتب عن ذلك من عواقب وخيمة على الوظائف المتعددة للنظام الايكولوجي لمحمية الاركان وانعكاساته السلبية على التوازنات البيئية على صعيد كامل التراب الوطني. .ومن اجل الحيلولة دون وقوع كارثة بيئية من هذا القبيل صدر القانون رقم 10 – 06 المتعلق بإحداث الوكالة الوطنية لتنمية مناطق الواحات وشجر الأركان، الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 187 – 10 – 1 بتاريخ 7 محرم 1432 (13 دجنبر 2010 )، بالنشرة العامة للجريدة الرسمية عدد 5900 بتاريخ 10 محرم 1432 الموافق 16 دجنبر 2010 . كما يرى الاخصائي المغربي مصطفى النكار في دراسة انجزها بهذا الخصوص ان انقاد غابة اركان التي اصبحت تراثا للإنسانية كما اقرت بذلك منظمة الامم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم يونسكو في شهر دجنبر 1998 لا يمكن ان يتم الا عن طريق التدبير المستدام الذي يرتكز على ثلاثة محاور اساسية هي الحفاظ على التنوع البيولوجي لغابة الاركان والتنمية المندمجة للمناطق الغابوية ثم محاربة التصحر، واكد الباحث النكار ان المحور الاخير يكتسي تنفيذه طابعا استعجاليا وهدا ما يتوافق مع القناعة التي تكونت لدى المندوبية السامية للمياه والغابات ومحاربة التصحر التي اتخذت من جهة سوس ماسة درعة منطلقا لتفعيل البرنامج الوطني لمحاربة التصحر الذي انطلق سنة 2001 كما اعلن ذلك المندوب السامي للمياه والغابات ومكافحة التصحر السيد عبد العظيم الحافي خلال التظاهرة الوطنية التي نظمت باكادير يوم 17يونيو2004بمناسبة تخليد المغرب لليوم العالمي لمحاربة التصحر. في سياق معاكس للتوجه الوطني العام ، أوردت يومية الأحداث المغربية في عددها 5105 ليوم السبت 20/10/2013 مقالا ذكرت فيه أن ملك الجماعة السلالية بالنفود الترابي لجماعة أيت مخلوف قيادة تملوكت دائرة أيت إعزا اقليم تارودانت يشهد مند مدة عملية اجتثاث واسعة وإبادة شاملة لمجموع أصول شجر الأركان بالغابة الممتدة على مساحة مئات الهكتارات ، المستثمر الذي حصل على ترخيص من الرباط ، حسب مصادر ادارية التي ثم إخطارها بالجريمة وعاينت يوم 9 اكتوبر 2013 بالطريق الغابوية شاحنة بيضاء محملة بأطنان من حطب الأركان مغلفة باحكام وهي في طريقها نحو وجهة مجهولة ، المستثمر يعمل جاهدا بمختلف الوسائل لإنهاء العملية في أسرع وقت ممكن ، ضاربا طوقا للمكان وجعله تحت حراسة عمال لرصد كل تحرك مشبوه قد يعرقل سير أشغال الإجتثاث والإبادة الشاملة لغابة الأركان ، لأن من شأن ذلك اثارة ضجة صحافية وتنديد من قبل جمعيات المجتمع المدني المهتمة بالشأن المحلي وحماية البيئة . المستثمر الفلاحي يعي جيدا خطاب العرش ليوم الجمعة 30 يوليوز 2010 والذي أكد فيه جلالة الملك محمد السادس على أهمية هذه الشجرة المباركة، حيث دعى إلى المحافظة على الرصيد النباتي والغابوي، ولاسيما شجرة الأركان; باعتبارها ثروة فلاحية مغربية أصيلة، ومن مقومات منظومتنا الإيكولوجية . سلطة الوصاية على أراضي الجموع والمندوبية السامية للمياه والغابات ومحاربة التصحر ووزارة الفلاحة والوكالة الوطنية لتنمية مناطق الواحات وشجر الأركان ، مجموع هذه الأجهزة الإدارية الى متى ستبقى مكتوفة الأيدي مكتفية بالتفرج من بعيد وغض الطرف عن جريمة نكراء وابادة شاملة بحجم الهولوكوست النازي ، في حق إرث حضاري بيئي وتراث انساني ترعاه بالدعم المادي والخبرة الايكولوجية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة – اليونسكو – الى جانب الدولة ؟؟؟ هذه الاخيرة من المفروض أن أجهزتها الادارية تسهر ليلا وتحرص نهارا بأعين يقظة أم أنها اليوم فقط أصبحت تنظر بعين واحدة فيما الثانية مغمضة !!!

2018-05-31
المشرف العام