«التصاحيب» في الأقسام الدراسية.. العشق الممنوع

يشترك كل الأطباء والمرضى خريجي مدرسة الحب في أن الأخير شعور ينتاب الشخص دون سابق إشعار أو إعلان، وبالتالي لا يحتاج إلى تأشيرة دخول لركوب ظهر المغامرة، وإن كان المحتضن تلميذات وتلاميذ بفضاء مؤسسة تعليمية. وهنا يكمن جوهر النقاش الذي فتحته «الوطن الآن» في مجتمع مازال الحديث فيه محتشما عن مدى توفره على الشروط الموضوعية لتأسيس تلك العلاقات، وكذا في ظل غياب دراسات دقيقة تكشف عن نسبة مساهمتها في تحسين المردود الدراسي أو تراجعه للمرتبطين. خاصة وأن الجميع على دراية بهذا الواقع، في حين أن القلة هي التي تجرؤ على تشريح تفاصيله أو حتى الخوض في مقدمات الاعتراف بسلطويته على مقاعد دراسة مؤسساتنا، كوليد شرعي لعصر الحب «الفايسبوكي» وعشق «الميساجات» وحميمية المكالمات.

خديجة وادي، أستاذة جامعية في علم النفس: الدور علينا كأساتذة لنخرج الذكور من موقفهم السلبي عن الأنوثة

* كيف تنظرين بداية إلى طبيعة العلاقة بين التلميذ والتلميذة في مؤسساتنا التعليمية؟ ** أفترض أن العلاقات المثالية هي التي يجب أن تكون داخل القسم، وأي نشاز ضمن هذه العلاقة هو ما يمكن أن نلصقه بالممارسات الشائعة واليومية والمرضية في أغلبها. فمجتمعنا وللأسف لم يرتق بعد بصورة الإنسان في مجموع تفاصيله، وذلك انطلاقا من مؤسسة الأسرة ومرورا بالتعليم الأولي إلى المستويات العليا. وبذلك فإن حمل التلميذ معه تصورا ومخيالا غير إيجابي للمدرسة، يرجع بكل تأكيد إلى ما اكتسبه في وسطه الأسري. وهذا ما يفرض تأهيل المتعلم داخل البيت قبل الحديث عن سياق علاقاته برمتها، حيث إن كان يحترم أخته وأمه، فالأكيد سيحترم صديقته وزميلته في الدراسة، أما إن لم يكن يقدر الأنثى في بيته فلن يمنحها القيمة التي تستحق في أي مكان آخر، سواء كان الشارع أو المدرسة. والدور حقيقة علينا كأساتذة لنخرج الذكور من موقفهم السلبي عن الأنوثة، وكذلك الإناث نحو موقفهم من الذكورة، حتى لا يبقى هناك صراع، لأن منطقنا في المجتمع هو منطق صراعي، وإذا ما أردنا بناء أي مشروع فيجب أن يكون في إطار سلمي.

* لكن الملاحظ هو أن ذلك المنطق الصراعي لم يمنع من نشوء العلاقات العاطفية ** أكيد لن يمنعها، إنما سيجعلها أكثر سلبية. وبهذا المعنى لا تبقى العلاقة في حد ذاتها هي المهمة، ولكن التباهي بها هو الأهم بالنسبة لكل طرف حتى يظهر بالصورة التي أرادها منه ذلك المجتمع غير السوي. وللأمر ارتباط وثيق بالسؤال حول النظرة التي نرى بها أنفسنا وذواتنا في حياتنا اليومية. فمشكلتنا أننا مازلنا نعيش في الفكر الظلامي في ظل تفشي الشعودة وإقصاء الآخر وغياب روح التواصل، وذلك بدليل أنه في مدرستنا نعاين إلى الآن تلك الحدية «هذا ذكر وهاذي أنثى». وهي العقدة التي تجاوزها الغرب لبناء ما يسمى بـ«صورة الذات»، ومنذ أن يولد الطفل لديهم يربون داخله صورة إيجابية عن ذاته. وهذا ما نفتقده نحن حتى أنه أصبح أمرا عاديا نعت صبي في طور البناء بصفات قدحية ولو من باب الدعابة، فنقول له مثلا «الخايب» دون أن ندرك بأننا نكون له صورة سلبية عن ذاته.

* هل يمكن استنتاج من جوابك أن مجتمعنا ليس مؤهلا بعد لهذا النوع من العلاقات على مقاعد الدراسة؟ ** إنه سؤال كبير، وفعلا عندما نتحدث عن علاقة عاطفية بين تلميذ وتلميذة نستفسر ضمنيا حول ما إذا كانت لديهما الشروط الموضوعية لتأسيس تلك العلاقة على أساس نموذج ذكر وأنثى في وضعية صحية اجتماعيا، وهل هناك نضج كاف لتحويلها إلى مشروع حياة وليس النظر إليها فقط كلحظة عابرة في إطار نزوة أو ما شابه. وفي صلة بالسؤال، أقول إنه وفي غياب أهداف واضحة، وكذا الشرعية الاجتماعية لأية علاقة خارج مؤسسة الزواج، بالإضافة إلى عجزنا عن بناء تمثلات اجتماعية خاصة بوسطنا المغربي، فربما تكون تلك العلاقات مغامرة لاصطدام الحلم فيها بالواقع، ومن ثمة تصبح مصدر تعذيب وإيلام أكثر منها مصدرا لبناء الذات، والرقي بها إلى كل ما هو إيجابي.

أبناء ثانوية عبد الله العياشي يكشفون المستور في علاقاتهم العاطفية على مقاعد الدراسة؟

«علاقتي به بصح كانت عندها انعكاسات خايبة على دراستي، خاصة ملي كنكونو مخاصمين أو حاصل بيناتنا شي سوء تفاهم»، إنها النتيجة التي انتهت إليها التلميذة حبيبة (اسم مستعار) من تجربتها العاطفية مع أحد الشباب. ومع ذلك، فهذه العلاقة مازالت مستمرة وصامدة، كما تقول، رغم ما يترتب عنها من تأثيرات سلبية تصل حد تغيب المعنية بالأمر عن بعض الحصص الدراسية نتيجة الاهتزاز الذي يصيب حالتها النفسية، أو كما تقول تحديدا «ماكنكونش حاملة راسي». ولمد الفرصة أمام صور أخرى من هذا المشهد التفاعلي الذي احتضنته القاعة 3 بالثانوية التأهيلية عبد الله العياشي، الواقعة على تراب نيابة مقاطعة عين الشق، منحت الأستاذة كلثوم قداش الكلمة لأحد التلاميذ الذي حكى كيف طوع علاقته بتلميذة من أجل تطوير مستواه الدراسي أثناء «أحسن فترة عشتها لحد الآن»، وكيف نزل ضيفا طيلة عمر العلاقة على الجدية في التحصيل والاجتهاد. هذا العطاء الذي تراجع وخفت توهجه بمجرد انقطاع العلاقة، يتأسف مروان. وليست تجربة الأخير هي الوحيدة التي حملت ملامح إمكانية اقتران العلاقة العاطفية بدفعة التميز، ولكن كذلك ما جاء على لسان صفاء حين اعتبرت اللحظات تلت بداية التعرف على صديقها بمثابة نقطة التحول في مسارها الدراسي نحو الأفضل، من خلال الدعم النفسي وشحنة التفوق التي زرعتها تلك العلاقة داخلها، وأيضا التشجيع الذي ما فتئت تتلقاه من ذلك الصديق لإنجاز الأحسن. وعلى مستوى آخر، أكدت بعض التلميذات على بذل كل ما في وسعهن لتفادي تلك الارتباطات، وحجتهن في ذلك اتقاء ما أمكن الاتهام من قبل مجتمع محافظ بأوصاف مغلوطة، وقد «حتى إلى تراجع مستواك لأي سبب يمكن أن يرجعوه إلى تلك العلاقة، مع أنها لا دخل لها في المسألة»، تبرر تلميذة. لهذا، تحرص هؤلاء التلميذات على اختصار قدر المستطاع حديثهن من زملاءهن الذكور مخافة التأويلات الجانبية، هذا إن كان التواصل لابد منه. وفي تجربة قد تصلح مرجعا لدراسة تحليلية من ذوي الاختصاص تحت عنوان «تعددت النتائج والعلاقة واحدة»، ميزت صاحبتها بين الانعكاسات الإيجابية التي كانت من نصيبها جراء تلك العلاقة، والتي قوت بها عزيمة أكبر للاعتناء بواجباتها الدراسية أفضت إلى تسلقها سلم الامتحانات النهائية بنجاح، وبين حالة صديقنا الذي يبدو بأن الوصفة العاطفية لم توافق تطلعات توجهه الدراسي، حين التفت حوله نهاية السنة ليجد نفسه من الراسبين و«معاود العام»، تؤكد صديقته. وعلى الرغم من غنى الاعترافات التي ذكرت بعفوية حينا، وانتزعتها حينا آخر كلثوم قداش بخبرة الاستمالة التواصلية كأستاذة لمادة التاريخ، فإن التوجه نحو الاحتفاظ بسرية التجارب كان اختيار العديد من التلميذات والتلاميذ، وهو الحق الذي وإن احترم في مجمله، إلا أنه شهد حالة استثناء كان ضحيتها أحد التلاميذ المجربين، عندما اتجهت أصابع زملاءه وزميلاته في نهاية الحصة لكشف مستوره، وهي تجمع بصوت واحد: «إيه إيه أأستاذة، راه مصاحب، وصاحبتو كتعاونو فتخراج الفروض وكتصاوب ليه حتى البحوث..».

ما هو موقف التلميذات والتلاميذ من «التصاحيب» في المدارس؟

لم يعد مجال للانغلاق في المؤسسات التعليمية

إذا نظرنا إلى هذه العلاقة من الناحية الدينية، فالأكيد أننا سنقف على عدم جوازها، لكن من الوجهة العلمية تبقى ضرورية ومفيدة. إذ من الثابت أن رؤية الفتاة تختلف عن رؤية الذكر لها. وهنا تكمن أهمية تلاقح وجهات النظر وتفاعلها. ففي السنين الماضية مثلا كان رفض تلك العلاقات أمرا محسوما في شأنه، لكن حاليا وفي عصر العولمة والتكنولوجيا والفايسبوك لم يعد مجال لذلك الانغلاق في المؤسسات التعليمية. لطيفة بغلوش، تلميذة بالثانوي

نحن نعيش مرحلة المراهقة

هناك عامل أساسي في نظري يوجه المسار الذي من الممكن أن تأخذه العلاقة بين التلميذ والتلميذة، وهو المرتبط بمسألة اختيار الصديق أو الصديقة. فإن كان هذا الاختيار صائبا ونابعا من منطلقات سليمة، فحتما سينعكس ذلك إيجابا على العلاقة ككل. وطبعا في الحالة النقيض ستترتب آثار عكسية. يبقى فقط أن يغلب فيها تحكيم العقل على الغرائز، وسيتم الوصول إلى الانسجام المأمول والمثمر.

مروان صبار، تلميذ بالثانوي

ما اجتمع رجل وامرأة إلا والشيطان ثالثهما

حقيقة لم يترك لنا الحديث الشريف القائل إنه ما إن اجتمع رجل وامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما، المجال لطرح تأويلات أكثر في هذا الموضوع. لذلك يفترض وأمام هذا الدليل النبوي الذي ينطلق من مخافة تداعيات الشهوة الفطرية للذكر والأنثى، توفر كل مبادئ الاحترام والتقدير في علاقة التلميذ بالتلميذة. وهذا حتما يقتضي التعامل مع الشخص المتمتع بالخصال ذاتها، وذلك حرصا على سمة تلك العلاقات وتفادي سقوطها في المحظور. سهام العافي، تلميذة بالثانوي

العلاقة بين التلميذ والتلميذة مسألة عادية جدا

عموما، أعتبر العلاقة بين التلميذ والتلميذة مسألة عادية جدا، والأصل فيها المودة والإخاء المؤديان طبعا إلى كل ما هو إيجابي ومستحب. غير أن هذا لا يمنع التأكيد أن الأمر يخضع أيضا لطبيعة العقلية التي يتواصل على خلفيتها كل طرف مع الآخر، إذ هناك المنافسة الشريفة في تحصيل النقاط الأعلى، وهناك أيضا العلاقات التي قد تكون الاستثناء. وأعني بها تلك التي تضع خلفيتها الجانب الغريزي.

أشرف إكجي، تلميذ بالثانوي

التعرف على أفكار الجنس الآخر

العلاقة بين التلميذ والتلميذة، وفي اعتقادي الشخصي لا يمكن أن تنتج إلا نتائج إيجابية، طالما أن هناك تربية سليمة وحسنة. ففي ظل وجود الأخيرة وما توفره من حصانة أخلاقية تكون كل الظروف مواتية والمجال مفتوح أمام بلوغ العديد من الأهداف القيمة، وعلى رأسها التعرف على أفكار الجنس الآخر، وتبادل ما يختزن لديه من رصيد ثقافي ومعرفي، فضلا عن إذكاء روح التفوق. فلا تقدم أوتفتح دون وجود علاقات، كما لا نتائج للانعزال غير الانغلاق. حنان خوالي، تلميذ بالثانوي

المكي معتصم: مبدئيا وحقوقيا وإيديولوجيا، أنا مع الاختلاط

شخصيا أراها علاقة طبيعية في الفضاء المدرسي، وذلك بحكم أننا نربي في المؤسسة الذكر والأنثى. وبالتالي لا يمكن تصور أحدهما بمعزل عن الآخر. وهنا أستحضر مقولة لـ«كارل ماركس» تفيد أن «العلاقة الأكثر طبيعية هي علاقة الرجل بالمرأة، وعلى ضوء هذه العلاقة تتحدد درجة تطور المجتمع البشري». فهذا الاختلاط إذن مسلمة وضروري، كما أنه طبيعي وأساسي للاجتهاد. وحتى أوضح الرؤية أكثر في هذا الاتجاه ولا تفهم أمور بغير مؤداها الصحيح، أشير إلى أن مجموعة من الدول الغربية ومع ما تعرفه من انفتاح، دعت بعض الجهات بها إلى منع الاختلاط، ولكن يجب الانتباه، فالسبب ليس بدافع التمييز، وإنما كإجراء محاصر لتدني مستوى التحصيل الدراسي الملاحظ. إذ توصلوا إلى أنه من نتائج العلاقة بين التلميذ والتلميذة حدوث بعض الانشغال لدى كل طرف بالآخر على حساب الدراسة. لهذا، فهم على إدراك بأن الاختلاط سيتحقق خارج المؤسسة سواء عبر الإنترنيت أو في الشارع أو في الأندية، ومن ثمة فلم تكن تلك الدعوة للفصل نتيجة اعتبارات تمييزية أو إيديولوجية، ولكن لأهداف تربوية خاصة في سن المراهقة. وأختم بأنني مبدئيا وحقوقيا وإيديولوجيا مع الاختلاط. حارس عام بالثانوية التأهيلية المصلي، نيابة عين الشق

خديجة وادي المكي معتصم

الوطن الآن

2011-11-02 2011-11-02
المشرف العام